للحرمان مأوى في الشمال... يعصف بمصير شبابه بطالة، أميّة وهجرة مع غياب المبادرات والرؤى الاقتصادية

 

حرمان اقتصادي وتهميش سياسي يعانيه الشمال منذ عقود مديدة

 

غياب رؤية إنمائية مشتركة وقوة سياسية ضاغطة لانتزاع مطالب إنمائية للشمال

 

المطالبة بإلزامية التعليم لا تقلّ أهمية عن مجانيته

 

كيف يمكن معالجة البطالة وما زالت هناك أجيال تتخرّج من مدرسة الأميّة في عصر التطور والتكنولوجيا

 

خسر لبنان فئة واسعة من أهل العلم والاختصاص من جراء الهجرة التي تعصف بشكل جنوني في أوساط الشباب

 

  

تشكّل البطالة اليوم معضلة عالمية، فمن النادر جداً أن نجد دولة لا تعاني من آثارها، علماً أنّ الدول المتقدمة تسعى جاهدة لتحاشي وقوع جيل الشباب لديها في مستنقع البطالة، لما لذلك من انعكاسات سلبية على الوضع الاقتصادي وعلى سائر البنى المجتمعية.

من هنا نشأت مؤسسات التوظيف العامة التي خصصت كادرات كفؤة لمساعدة العاطلين عن العمل بغية إيجاد مواقع وظيفية تلائم كفاءاتهم وقدراتهم الذاتية.

على أنه في ظل العولمة المصادِرة بل المدمرة للجهود الفردية ولأعمال الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، نرى أنّ البطالة قد غدت أكثر انتشاراً في دول العالم، ولا سيما دول العالم الثالث.

أما في لبنان، فتطرح البطالة إشكاليات عامة لا تلبث أن تتفرع إلى جملة مشكلات خاصة في المحافظات والأطراف "النائية" عن قلب العاصمة أو قلب الوطن الذي لا يرحم فقراءه والمحتاجين إلى لقمة العيش!

 

أسباب البطالة في الشمال

إذا ما توقفنا عند الأسباب التي أدت إلى تفشي البطالة في لبنان، لوجدناها متشعبة جداً ولها جذور تمتد إلى الأحداث السياسية التي مرّت على البلاد: من حرب أهلية إلى إعادة توزيع ديمغرافي مختلّ في المناطق. ولا نستطيع أن ننسى ما للمركزية الإدارية من باع طويل في تكريس البطالة، لا سيما في المناطق الأطراف الشمالية، نظراً لما تضمه المحافظة من نسبة مرتفعة في الأمية والكثافة السكانية، كل ذلك يأتي في إطار حرمان اقتصادي وتهميش سياسي يعاني منه الشمال منذ عقود مديدة. 

 

أ- الحرب الأهلية

لا شك أنّ الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان (حرب السنتين في العام 1975) دمرت مختلف المرافق العامة ومؤسسات الدولة على الصعيد الوطني، فلم تسلم منطقة في لبنان من شلل مرافقها الحيوية وتراجع الدورة الاقتصادية وانعدام عوامل التنمية بوجوهها المختلفة (بيئية، سياحية، تعليمية، زراعية، خدماتية..). وبالرغم من أن شمال لبنان قد حظي بفرصة مبكرة في الخروج من هذه الحرب الضروس، إلا انه لم يكن الأوفر حظاً في إعادة الإنماء إليه، كما أنه قد خلا أكثر من غيره، وما زال، من فرص توظيف الأموال والاستثمارات التي تركزت فيما بعد في العاصمة بيروت، وبقي شاهداً على الحرب كشهادته على عملية إعادة الإعمار والإنماء المسمى بالمتوازن دون أن يكون كذلك فعلاً.

 

ب- المركزية الإدارية

لقد أسفرت المركزية الإدارية عن إيجابياتها في عملية انعاش الحركة الاقتصادية وتدوير الأموال في العاصمة بيروت، إلا أنها قد أرست أعلى نسبة من سلبياتها التهميشية في باقي المحافظات. وكانت محافظة الشمال صاحبة النصيب الأكبر في نزوح مشاريع أبنائها التجارية ومؤسساتها الاستثمارية الى العاصمة، تحاشياً للوقوع في الروتين الإداري القاتل وبحثاً عن قدرة شرائية أعلى لدى سكان العاصمة، فباتت الساحة الشمالية خالية إلا من بضع مؤسسات ذات نشاط تجاري محدود، والتي لا ترى أي فرصة لتوسيع نشاطها إلا اللحاق بسابقاتها الى قلب العاصمة حيث الثقل الرأسمالي والتجاري.

ولا نستطيع أن نتجاهل أن المركزية الإدارية في لبنان أدت الى مركزية سياسية، فباتت معظم المرافق الإدارية في لبنان ذات الدور الفاعل في عملية تنشيط الدورة الاقتصادية وعملية التنمية، تقع تحت سيطرة السياسيين أصحاب النفوذ المهمين في العاصمة مما يوجب على سياسيي مناطق الأطراف بذل جهود مضاعفة للاستحصال على حقوق مناطقهم المهمشة. وهذه الحقوق غالباً ما تصل منقوصة حتى بعد المطالبات والمساعي. من هنا نجد أن المركزية الإدارية قد حرمت المواطن الشمالي من فرص وظيفية كثيرة، ولم يبقى أمامه سوى السعي لإيجاد فرصة عمل خارج الشمال، وهو أمر صعب إن لم نقل شبه مستحيل، ناهيك عما تعانيه باقي المناطق من البطالة أيضاً.

 

ج-غياب الرؤية الإنمائية المشتركة

إن للدور السياسي هامشاً كبيراً في تعزيز أو تفتيت الأسس الاجتماعية والاقتصادية، من خلال الموقف الذي يتخذه المسؤولون على صعيد المناطق.

ففي مشكلة البطالة الشمالية، ما زلنا حتى اليوم لا نرى أي مؤشر لتكاتف وتعاون بين القوى السياسية والاقتصادية والمالية يدفعها إلى التنسيق والتشاور، كما إلى السعي الجماعي والضغط السياسي المشترك والموجّه من أجل تنفيذ بعض الخطوات المجمّدة منذ أعوام وإنعاش العديد من المرافق العامة التي بات الجميع يعي أهمية دورها وأصبحت شعاراً لكل من يتحدث في مشكلة البطالة ومعالجتها. لقد بات التنظير راسخاً في العقول، والعديد من الفئات الشبابية العاطلة عن العمل تنتظر اليوم الموعد بشيء من اليأس إن لم نقل بكثير منه. ولا نرى إلا "المعاتبات" وإلقاء المسؤوليات من كاهل على آخر والحجج "الديبلوماسية" التي باتت مكشوفة لدى العامة والتي ما زال أهل السلطة يتلحفون بها ويؤثرون التخفي وراءها. ونحن نتساءل، هل أن هناك حقاً عجزاً لديهم عن تشكيل تلك القوة السياسية الشمالية الضاغطة المرجوّة من أجل تقديم جزء ولو بسيط لتاريخهم السياسي أو للشعب المقهور الذي ما زال يخدّر بمبدأ "إن لم تعطِ الدولة فكيف تعطيك". ألا نستطيع أن نقول له حتى يصبح من حقه دون انقطاعه عن العطاء أن يسأل عن أدنى حقوقه؟!

 

د-ضعف مبادرات القطاع الخاص

لقد أشرنا في مواقع سابقة إلى أسباب عديدة تقف وراء القصور في أداء القطاع الخاص الإنتاجي في الشمال (المركزية الإدارية والسياسية) ويبقى أن المبادرة المفقودة للقطاع الخاص تطرح الكثير من التساؤلات حول ما إذا كان السوق الشمالي لا يشكل إغراءً استثمارياً مع كل الميزات الخاصة التي يتمتع بها الشمال من بيئية وسياحية... أم أن هناك تقصيراً في توجيه هذا القطاع وتشجيعه ومساندته في خلق مشاريع له تفسح في المجال أمام الشباب الشمالي لإيجاد فرص عمل تليق بمقدراته العلمية والتخصصية، وقليلاً ما نجد في محافظة الشمال من حالات توظيف لرؤوس الأموال التي يملكها رجال أعمال شماليين، إلا أننا إذا ما علمنا أن نسبة بطالة الشباب من الفئة العمرية (15-20) سنة تبلغ 31,4% في الشمال مقابل 28,6% على مستوى لبنان كله نجد مدى وفرة اليد العاملة الشمالية العاطلة عن العمل، مع ما يشجع المؤسسات على القيام بمشاريع استثمارية عملاً بمبدأ العرض والطلب وتدنّي نسبة الأجور في القطاع الخاص الشمالي مقارنة بالعاصمة بيروت على سبيل المثال. وهذا كله ما يدفعنا للاستغراب حول غياب نشاط القطاع الخاص في الشمال.

 

ه-عوامل تزيد نسبة البطالة في الشمال

إن البطالة في الشمال تعود بنسبة كبيرة إلى هوامش أخرى من عدم التوازن الاجتماعي مع سائر المحافظات اللبنانية. فعلى سبيل المثال إذا ما تأملنا في نسبة الأمية المرتفعة جداً في اقضية الشمال لوجدنا أن كل هؤلاء قد اصبحوا في الرُكب الأخير ممن يأملون بفرصة عمل تكفيهم لأن يعيلوا أنفسهم وأسرهم.

 

مؤشرات الأمية (10+) والالتحاق الدراسي (6-12) في أقضية الشمال (%)

 

المنية-الضنية

طرابلس

الكورة

زغرتا

البترون

عكار

بشري

الشمال

معدل الأمية/ذكور%

20,12

11,62

6,00

10,44

11,95

23,08

12,65

15,59

معدل الأمية/إناث%

29,62

17,12

11,23

18,23

18,27

37,82

18,75

24,25

معدل الأمية الإجمالي%

24,8

14,4

8,67

14,5

15,2

30,5

15,7

20,0

·        المصدر: مسح المعطيات الإحصائية للسكان والمساكن.

 

ففي هذا الموضع نتذكر الضغوطات الشعبية والسياسية التي بذلت من أجل تكريس مجانية التعليم. ورغم ذلك لم تأتِ النتائج وفقاً للأمل المرجو في هذا المضمار لا سيما فيما يتعلق بإلزامية التعليم التي لا تقل أهمية عن مجانيته. فكيف يمكن معالجة البطالة، وما زالت هنالك أجيال تتخرج من مدرسة الأمية في عصر التطور والتكنولوجيا؟!

يضاف إلى ذلك مثلٌ آخر يتعلق بكثافة إشغال المساكن التي تبرز بحدة في محافظة الشمال بحُكم كون متوسط حجم الأسرة فيه أكبر من المتوسط الوطني، وهذا ما يفسر كون مؤشر الازدحام السكاني هو الأعلى في الشمال. إذ تبلغ نسبة المساكن المصنفة ذات إشغال كثيف جداً 43,6% من إجمالي الأُسر مقابل متوسط وطني يبلغ 34,1%.

ومن الطبيعي أن نستنتج آثار الكارثة التي تعاني منها الأسر الشمالية من جراء البطالة نظراً لعدد أفرادها الكبير. فإذا ما كنا نواجه مشكلة تأمين فرصة عمل للأسرة الواحدة خارج الشمال (قلة عدد أفراد الأسرة)، فإننا بحاجة لتأمين أكثر من فرصة عمل لكل أسرة شمالية. وكل هذا يقع في ظل ندرة فرص العمل في الشمال.

أثر البطالة على الشباب

باتت البطالة اليوم تقف وراء العديد من الآفات والمشاكل الاجتماعية والسياسية والصحية والثقافية. لا بل نستطيع القول أنه قد أصبح لها نصيبٌ في كل خلل أو معضلة ما نعاني منها على كافة الأصعدة في ساحتنا الداخلية.

لقد خسرنا العديد من أهل العلم والاختصاص والمهارات الفردية المتميزة من جراء الهجرة التي باتت تعصف بشكل جنوني في الأوساط الشبابية، لا سيما المتعلمة والمثقفة. ولم يخلُ الأمر من ظهور بعض المؤشرات الخطيرة في مجتمعنا المدني والتي تنذر بانهيار ينحرف، شيئاً فشيئاً، إلى عالم الجريمة.

وتكاد لا تخلو أي مدينة أو قرية أو شارعٍ من عمل جرمي غالباً ما يكون دافعه التسكّع المرير لمن فقد الأمل في بناء كيانه الاجتماعي من خلال فرصة عمل متواضعة.

لقد باتت مستلزمات الحياة كثيرة وأحلامها كبيرة وشبابنا اليوم قد عمر صدره بالأماني وخلت ساحته من الفرص. وهذا ما يستدعي من كل كبير وصغير، مسؤول وغير مسؤول، أن ينظر نظرة جدية لهذه الآفة المتزايدة وما تشكله من خطر يهدد المجتمع برمته، ولا سيما خلاياه العائلية. لقد بات الكثير من أطفالنا عُرضةً للتقاذف بين صنعة وأخرى، محاولين المساهمة الضعيفة في تأمين القوت اليومي، وهم يتركون وراءهم المستقبل العلمي ليقبلوا على المجهول وما يحمله من انحراف في الفكر.

وليس أمامنا إلا تلك الصورة للمجتمع المنهار، وقد كبّله التخلف الاقتصادي والإنتاجية المتدنية، وشُوِّهت صورته الحضارية ووجهه الثقافي.

 

خطوات واجبة التطبيق

تبدلت وجوه سياسية كثيرة على نداء واحد لأمور متعددة استُهلكت مطلبياً وما زالت عالقة تنتظر التنفيذ‍!

فمرفأ طرابلس، وهو المرفأ الثاني من حيث الأهمية في لبنان، ما زال رغم كل الوعود والجهود الصادقة والواهية بعيداً عن أخذ دوره الريادي الذي إن تحقق لأنعش الدورة الاقتصادية في الشمال وزاد من فرص العمل أمام أبنائه وجعل من طرابلس محوراً اقتصادياً هاماً على الصعيد الوطني وبوابة تبادل تجاري بين الداخل والخارج.

كما أن مشروع سكة الحديد، إلى جانب ما يشكله من مرفق حيوي بحدّ ذاته، فهو مشروع رديف للمرفأ من شأنه تنمية شبكة المواصلات الداخلية والخارجية والإفساح في مجالات جديدة من التبادل التجاري. وجلّ ما نخشاه أن يدخل هذا المشروع طي النسيان، وقد مر على إطلاقه فترة من الزمن ليست بالقصيرة.

ويبقى مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، المشروع الضخم الذي يثير العجب إبقاؤه مدفوناً حتى اليوم، فيكاد لبنان يكون البلد الوحيد الذي يعاني ما يعانيه من بطالة مستشرية من شماله إلى جنوبه، ولديه مطار وحيد يجمع بين الرحلات السياحية والترانزيت، ويصرّ على إبقاء مطاره الآخر دون استثمار، مغلقاً بذلك أبواب حركة اقتصادية قائمة بحدّ ذاتها، مما يتبعها من فرص عمل لأبناء الشمال عامة وأبناء عكار خصوصاً، لا سيما أن عدد أفراد القوى العاملة في عكار يبلغ 65,540 فرداً يشكلون 26,2% من السكان. ومن أصل هؤلاء يعمل فعلياً 56,413 فرداً، وحوالي 6,127 عاطل عن العمل مما يجعل معدل البطالة 13,5%، النسبة الأكبر منهم من الشباب الذين يبحثون عن عمل لأول مرة 11,1% وبناءً على ذلك، فإن خمس السكان في عكار يؤمنون معيشة العدد الإجمالي للمقيمين في القضاء في أسرة متوسط عدد أفرادها 6,1 ومتوسط عدد العاملين فيها 1,4.

وأمام واقع الحال هذا، لا يغفل عنا ما تمتلكه عكار من مقومات زراعية تنفرد بها، من سهل واسع ويد عاملة وفيرة تستلزم الاهتمام بهذا القطاع لما قد يؤمنه من فرص عمل تخفف من نسبة البطالة، فيجب وضع خطة متكاملة لتطوير الزراعة باعتبارها مجال العمل الأكثر اهمية والأكثر تأثيراً على معيشة الأسر والمجتمع عامة ويجب أن تلحظ هذه الخطة كيفية رفع إنتاجية الأراضي الزراعية وتطوير التسويق.

        لا يمكننا التحدث عن أي مشكلة من مشاكل الشمال بما فيها البطالة إلا بتسليط الضوء على معرض رشيد كرامي الدولي الذي لم يحقق حتى اليوم دوره الأساسي في جعل مدينة طرابلس موقعا استقطاب دولي، لما لهذا المعرض من مواصفات فنية عالمية تجعله الأول في منطقة الشرق الأوسط من حيث مميزاته الخاصة. ورغم ذلك، نجده مهمشاً ولا يحظى بحصته من المعارض الدولية التي تقام في لبنان. وكل ما شهدناه من جهود السياسيين الشماليين من أجل محاولة انتزاع حق معرض طرابلس الحصري في استقبال المعارض الدولية قد باءت بالفشل، ولم تسجل هذه الجهود أي نجاحات في مرافق أخرى لا تقل أهمية في شأنها الحيوي كمصفاة طرابلس، وغيرها من المرافق الاقتصادية الهامة.

 

.. ويبقى للحرمان مأوى كبير في الشمال له امتداداته على كافة الأصعدة ليطال بشكل خاص تلك المناطق النائية والتي أصبحت في حالة احتضار. فالبطالة تخي‍ّم عليها بآثارها السلبية والمفرزة لمختلف الانحرافات السلوكية والآفات الاجتماعية، من تربوية وثقافية وصحية...، والمسفرة عن حياة معيشية متدنية يعاني منها عدد كبير من الأسر الشمالية.

ولم يبقَ إلا نداءات كثيرة ومحاولات عديدة غير موجهة بعيدة عن الخطط العلمية والمنهجية في معالجة شتى المشاكل الاقتصادية. فأي مجتمع ينتظرنا في غياب الدولة الحاضرة بظاهرها المقنّع الذي يخفي وراءه حلقة مفرغة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المستعصية؟‍!

 

 

 

إطبع هذه الصفحة

أرسل هذه الصفحة إلى صديق



 

 

 

 

  Top

 

محليات  .  لبنانيات  .  بيئة وتنمية  .  تربية وثقافة  .  شباب ورياضة  .  علوم وتكنولوجيا

صحة  .  متفرقات  .  الصفحة الرئيسية  .  إتصل بنا