|
بدعوة من "مؤسسة الصفدي" و"طرابلس بوست": د. خالد زيادة يحاضر عن "طرابلس... صدمة المستقبل"
|
بدعوة من "مؤسسة الصفدي" ومجلة "طرابلس بوست"، ألقى المؤرخ الدكتور خالد زيادة محاضرة تحت عنوان (طرابلس... صدمة المستقبل) في مركز الرابطة الثقافية بطرابلس بحضور نقيب المحامين خلدون نجا وأساتذة جامعيين ومثقفين ومهتمين. النشيد الوطني اللبناني، إلى عريف الحفل نادين العلي، إلى كلمة ترحيب من رئيس اللجنة الثقافية في الرابطة الثقافية المهندس نوري الصوفي، وكلمة "طرابلس بوست" التي ألقتها إيناس عبد العزيز وقالت: يجمعنا اليوم اتفاق ضمني بأن ثمة مشكلة تخصّ طرابلس، وتخصّ الطرابلسيين، والأهم أن هذه المشكلة ليست بلا حلّ. والأصعب، ان هذا الحلّ ليس خارج طرابلس والطرابلسيين. ورأت أن هذه المدينة النابضة بوسعها أن تفاجئ الجميع، خارجة من مآزق هذا الوطن، من حصصه ومحاصصاته، من حساباته الطائفية الضيقة، من شكلانية حياته السياسية الخاوية... وأن تؤسس للغد اللبناني.
كلمة "مؤسسة الصفدي"
كلمة "مؤسسة الصفدي" ألقاها الدكتور مصطفى الحلوة، ومما جاء فيها:
لا نريدُ أن نصادر دور د. زيادة الذي لا بد أن نناقش معه إشكالية طرابلس وصدمة المستقبل من منظار تشخيص واقع المدينة واقتراح بعض الحلول التي قد تُخرج الفيحاء من عُزلتها القاتلة ومن الموت البطيء الذي تُعاني سكراتِهِ! فمن المنظار السوسيولوجي، فإن كل ظاهرة مجتمعية لها مسبباتها والعوامل التي تُسهم في صُنعها، بمعنى أن أمور المجتمعات لا تسيرُ بشكل عبثي ولا تخضع للتفسير الغيبي الذي لا يمتّ إلى العلم بصلة. وهكذا فإن لتقهقر طرابلس أسبابَه وخلفياته التي نعزوها إلى الإهمال المتمادي من قبل القيمين عليها، يستوي في ذلك المرجعيات السياسية وقوى المجتمع الأهلي والمدني. وإذا كنّا نستبعد مقولة المؤامرة، وهي أسهل الخيارات لتبرئة الذمم، فإن الإهمال، بمعزل عن النوايا، قد يصل أحياناً إلى حد الخيانة والتآمر على مصالح المدينة وشعبها.
إننا، في "مؤسسة الصفدي"، آلينا على أنفسنا، أن نحمل، مع المخلصين، هم المدينة لنصرتها وإخراجها من وهدةٍ الانحدار التي تضعها على شفا الموت المحقق. إننا، مع كل المبادرات الجدية التي تؤول إلى "رجّ" العقل الطرابلسي، علَّ الارتجاجات تشكّل الصدمة التي تضعنا على أبواب مستقبل واعد، كما تبتغي الإشكالية التي تطرحها هذه الندوة.
على أن السؤال الذي نضعه برسم محاضرنا المؤرخ والسوسيولوجي د. خالد زيادة وبرسمنا أيضاً،.. كما في عُهدة فاعليات ومؤسسات مجتمعنا الأهلي والمدني هو التالي:
من أين نبدأ؟ ومن هي القوى المخوّلة بإنقاذ المدينة؟
علماً أن هناك العديد من المبادرات، بعضُها يُدفن في مهده وبعضها الآخر فولكلوري دعائي لا يُثمن ولا يُغني!
بيد أن ثمّة سؤالاً تأسيسياً نوجِّههُ إلى الحكومة، وهو الآتي: أين هو مؤتمر إنماء طرابلس الذي عُقد في حلقته الأولى ولم تر النورَ سائرُ حلقاته؟
وفي خضمّ التحضير للانتخابات البلدية والاختيارية، ربيعَ العام الجاري، نتساءل: ما الدور المرتقب للبلدية في عملية الإنقاذ؟
إنها سلسلةٌ من الأسئلة لا بد أن تكون ندوتنا قد تضمنتها مع إجابات عن بعضها، إضافةً إلى ما سوف يثيره النقاش الذي يعقب الندوة من تساؤلات وهواجس ومقترحات تصبّ جميعها في تشكيل عناصر الصدمة المرجوة والتي ستُفضي إلى تحريك هذه المدينة، فتُكتب لها الحياة من جديد.
خالد زيادة
المحاضر د. خالد زيادة تطرّق في محاضرته إلى تاريخ طرابلس الباهي المشرق عندما كانت هذه المدينة (أبهى بلدة على ساحل سوريا.. ومعرضاً فخماً للبدايع والمحاسن)، مثلما تطرّق إلى حاضرها حيث تراجعت "العاصمة الثانية" سياحياً واقتصادياً وخسرت الكثير من دورها الذي اكتسبته مع بدايات القرن الماضي.
وقال: حديثنا اليوم هو عن المستقبل، ولا زال أهل المدينة يخشون الدخول إلى هذا المستقبل الذي ينشدونه دون أن يسعوا إليه. فلا بأس أن نستعيد بداية الماضي القريب. فهذه المدينة مرتبطة بتاريخها الذي يعطيها هويتها. فلا بد بهذا التاريخ أن يكون حافزاً يدفعها إلى المستقبل، بدل أن يثقل عليها ويعرقل مسيرتها.
وفي استعراضه لأسباب التقهقر، قال: لا يمكن لسبب واحد أن يكون وراء هذا التقهقر الذي شهدته المدينة خلال أقل من قرن من الزمن. نعلم أن طرابلس لم تكن المدينة المحظية أيام عهد الإنتداب، ومن يقرأ الصحف التي كانت تصدر في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين يلمس أن طرابلس كانت تعاني من الإهمال وصحف تلك الحقبة تعكس العديد من المطالب التي لم تتحقق حتى اليوم. في تلك الآونة الانتدابية بدأ يتكون الشعور بالحرمان والإهمال، وقد أصبح هذا الشعور من طبائع أهل المدينة ومع ذلك فإن النشاط التجاري والعمراني استمر.
استطاعت طرابلس خلال النصف الأول من القرن العشرين أن تحافظ على سماتها الرئيسية وأن تنمو بفعل موقعها ودورها كعاصمة تجارية لأقضية الشمال وللساحل السوري. وكانت أول الصدمات المؤلمة والمؤثرة على المدى البعيد، حصول القطيعة الاقتصادية بين لبنان وسوريا عام 1950. خسرت طرابلس دورها كعاصمة اقتصادية للساحل السوري، ولعلها لم تستشعر أثر ذلك بشكل مباشر، فقد عوضت جزئياً بازدياد حاجة الأقضية إليها. ومع ذلك فإن بداية الخمسينات شهدت بداية انتفاء دور طرابلس، وظهر أثر ذلك على التل الذي تراجعت أماكن الترفيه فيه وأغلقت الفنادق تباعاً أبوابها، ومع الستينات أصبح التل ملحقاً بالاقتصاد الداخلي للمدينة.
والمحطة الثانية في التراجع كانت مع فيضان نهر أبي علي، في نهاية عام 1955. هذا الحدث الطبيعي أدى إلى خسائر مباشرة في الأرواح والممتلكات ولكن آثاره البعيدة كانت أشدّ فداحة. فمشروع توسيع مجرى نهر أبي علي كان الكارثة الكبرى التي حلّت في المدينة. فقد أدى إلى تدمير منظم لجزء أساسي وهام من نسيجها العمراني التاريخي دون تفكير بالعواقب على الإطلاق.
أما المحطة الثالثة في تدهور أحوال المدينة فكان مشروع معرض طرابلس الدولي، الذي كان يجدر به أن يكون نعمة على المدينة فتحول إلى نقمة. لقد قضى هذا المشروع على الجزء الرئيسي من ثروتها الطبيعية والريعية المتمثلة ببساتين الليمون التي أعطت لطرابلس هويتها وإسمها الفيحاء. والمحطة الرابعة من تدهور المدينة كانت مع سنوات الحرب، فتعرضت مناطق مثل القبة والتبانة إلى تدمير مباني كثيرة ما زالت تنتظر إعادة الإعمار حتى هذه اللحظة.
هذه المحطات تعاقبت على إضعاف طرابلس وإفقارها. أما طرابلس القديمة التاريخية المملوكية – العثمانية فإن التصدع والإهمال قد خربها منذ زمن بعيد.
وأضاف: تلك هي حال طرابلس القديمة والحديثة. ولدى الطرابلسيين الشعور العميق بأن مدينتهم قد تخلفت عن الركب وأنها تأخرت عن السباق وهو شعور صادق. ولديهم اليقين بأن الدولة تهمل مطالبهم. لكن أهل طرابلس لا يساورهم الإحساس بالتقصير تجاه مدينتهم، فهم يعتقدون بأن الدولة هي التي يتوجب عليها أن تشقّ لهم طريقاً وترمّم أثراً وتبني فندقاً، وأن تأتي بالزبائن إلى أسواقهم والسياح إلى معالمهم الخربة وهم قاعدون.
من المؤكد أن الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا قد قصرت بحق طرابلس، ولكن ما الذي فعلناه من أجل هذه المدينة؟ لم نسمع منذ أربعين سنة خلَت ان لجنة قد تشكلت لإزالة الأضرار التي خلّفها مشروع توسيع نهر أبي علي، ولم نسمع أن لجنة تشكلت للحفاظ على نظافة الأسواق التي يأتيها الزائرون بين الحين الآخر. ولم نسمع بأن هيئة قد انعقدت لإعادة الحياة إلى منطقة التبانة المنكوبة. لكننا نسمع بأن أحداً لو فكر بإقامة مشروع سياحي أو بناء فندق أو إنشاء مصنع، فإن الكثيرين ينصحونه بعدم الإقدام على هذا الأمر.
وبالرغم من الشكوى التي أصبحت حالاً ملازمة لكل حديث في هذه المدينة، لم نجد أن لجنة تشكلت لدرس احتياجاتها، بل نسمع بالمقابل القول: شبعنا دراسات، لكن عن أي دراسات يتحدثون؟ ولم تتقدم مجموعة من الأفراد أو جمعية من الجمعيات لاستقراء مستقبل المدينة في حال استمر الحال على ما هو عليه. وحقيقة الأمر أن المدينة قاعدة لا تحب الحركة. وليس أدلّ على ذلك من السكون الذي طبع المؤسسات التي يفترض بها أن تسهم في نشاط المدينة وحركتها.
وتابع: صادق مجلس النواب قبل مدة وجيزة على مشروع القرض الدولي الخاص بإحياء المدن القديمة الذي يحمل إسم مشروع الإرث الثقافي والتنمية المدينية. ويهدف هذا المشروع إلى زيادة التنمية الاقتصادية والمحلية وتحسين نوعية الحياة في المراكز التاريخية في مدن بعلبك وجبيل وصيدا وطرابلس وصور، وفق البنود التالية: - تحديث وتحسين الأماكن العامة - مساندة وتطوير أنشطة الإنتاج - إعادة تأهيل المساكن التاريخية - تحسين طرق الوصول إلى المراكز التاريخية
وباختصار فإن هذا المشروع سيقدم لطرابلس ما يقارب من العشرين مليون دولار تنفق على تأهيل المدينة القديمة لإعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي إليها وليس ترميم آثارها فحسب. ومدة تنفيذ هذا المشروع تمتد على خمس سنوات حتى حزيران 2009، وهي مدة كافية لإطلاق العديد من المشاريع المرافقة.
وقال: من المؤكد أن تأهيل المدينة القديمة لو تم على أكمل وجه لا يمكنه أن ينقذ مدينة طرابلس مما هي فيه. فهل بالإمكان أن تؤهل المدينة القديمة ونترك الوسط التجاري الحديث الذي يقع في منطقة التل على حاله من الإهمال والفوضى، لا بد إذاً من التفكير بالتكامل بين المدينة القديمة والوسط التجاري. علينا أن نبحث عن وظيفة جديدة لمنطقة التل. أي أن هذه المنطقة التي كانت حتى نهاية الخمسينات منطقة تجارية وخدماتية وترفيهية في نفس الوقت، قد خسرت وظيفتها السكنية والفندقية والترفيهية. كما خسرت أغلب وظيفتها التجارية، بهجرة العديد من المؤسسات إلى مناطق أخرى من المدينة. وإعادة تأهيل منطقة التل يعني إعادة الاعتبار لمبانيها ورفع قيمتها، وإيجاد فرص عمل جديدة. من الطبيعي القول بأن التل لا يمكن أن يرجع وظيفته السكنية، فما الذي نفعله بهذه المباني المهملة والمهجورة والتي تنتظر مصيرها المجهول؟ لا بد إذاً من أن نفكر بأن نجعل للتل وظائف جديدة، كاستقطاب بعض النشاطات الثقافية إلى هذا الوسط بعد حل مشكلة الاكتظاظ فيه عبر إيجاد مرآب للسيارات. ومن ذلك استعادة مسرح الأنجا كتعبير رمزي بذكر بوجه مشرق من وجوه التل، وأن تستحدث قوانين، جربتها دول أخرى، كالطلب إلى مؤسسات مصرفية أو شركات بإقامة مكاتبها في هذه المباني التاريخية التي تعود إلى حقبة الإصلاحات العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وإذا كان أهل طرابلس قد غادروا مدينتهم القديمة نهائياً في آخر الخمسينات، وتخلوا عن التل في السبعينات، فالمطلوب إعادة وصلهما بكامل الجسم المديني لطرابلس التي تمددت باتجاه الميناء.
لكن كل كلام عن استنهاض المدينة القديمة وإعادة تأهيل الوسط التجاري يبقى ناقصاً، دون معالجة جذرية للواقع المتردي لمنطقة التبانة.
ما الذي تهدف إليه هذه المشاريع، وما هي وظائفها؟
أولاً: الوظيفة التنموية، فإطلاق هذه المشاريع يخلق في طرابلس الراكدة آلاف فرص العمل، وينشط العديد من القطاعات. كما يسهم بالحد من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين مناطق المدينة.
ثانياً: الوظيفة التجارية، وذلك عبر إحياء حرفها التقليدية: الحلويات والصابون والخشبيات والنحاسيات، إلخ...
ثالثاً: الوظيفة السياحية، لا شأن بان تأهيل المدينة سيعيد إليها بريقها. ولا نظن بأن تأهيل المدينة القديمة سيجلب إلينا تلقائياً آلاف السياح. فعلينا أن نفكر أولاً بالسياحة الداخلية، وأن نربط طرابلس بشبكة سياحية تشمل سوريا والأردن. وهنا يمكن لمعرض طرابلس أن يلعب دوره الرائد في تنشيط التجارة والسياحة.
وأنهى مداخلته بطرح سؤال مركزي وهو التالي:
كيف يمكن العبور بهذه المشاريع من حيز الأفكار إلى حيز الواقع؟
لا بد من القول بأن جهة واحدة لا يمكنها ان تقوم بكل هذه الأعباء. ولا يعني ذلك إعفاء الدولة من مسؤوليتها تجاه طرابلس، ولكن علينا أن نعتبر الدولة والحكومة بوزاراتها المعينة طرفاً من جملة أطراف، هي:
أولاً: أهالي طرابلس، فمن خلالهم وبإرادتهم تتم هذه المشاريع. ولدينا أمثلة على ذلك في الهيئة التي تشكلت من أجل البناء الجامعي الموحد في الشمال، ولجنة الحفاظ على الحدائق، فالمطلوب أن يثق أهل طرابلس وأبناؤها بقدراتهم. وعلى هيئات المجتمع المدني من جمعيات ونقابات وهيئات أن تتشكل حول موضوعات محددة، كاللجنة التي تشكلت مؤخراً من أجل إعادة تأهيب وسط طرابلس التجاري.
ثانياً: السلطة المحلية والمقصود هنا البلدية التي تملك صلاحيات واسعة. فلا بد ونحن في موسم انتخابات بلدية من أن ندرك الدور الكبير والرئيسي للبلدية في متابعة تنفيذ كل مشاريع التأهيل ورسم الخطط. وقد أسهمت خلال عهود متعاقبة في وصول المدينة إلى الحالة المتردية التي وصلت إليها.
ثالثاً: الحكومة ممثلة بالوزارات المختصة. فإذا تشكلت الهيئات المدنية المعنية، وإذا ما كانت لدينا سلطة بلدية مؤهلة أمكن وضع الخطط المناسبة والمطالب المحددة أمام الحكومة ومطالبتها بوضع التشريعات ورصد الموازنات المطلوبة.
رابعاً: لا يمكن الاستهانة بدور المنظمات والدول المانحة. فإذا استطعنا أن نوظف صلاتنا ونحسن استخدامها لحصلنا على عشرات الهبات والقروض، دون أن ننسى بأن الرساميل الخاصة يمكن أن تسهم في هذه المشاريع حين تلمس الجدوى والجدية.
وقد داخل عددٌ من المشاركين: نقيب المحامين خلدون نجا، عبد اللطيف كريم، الدكتور لامع ميقاتي، المهندس نوري الصوفي، د. ناصر اليمق، عبد الله خالد. وفي تركيز على أسباب تقهقر المدينة، عزا النقيب نجا ذلك إلى أسباب متعددة، وأهمها أن "طرابلس محكومةٌ بمعادلة التحريم والتحليل".
|
|
|
|
Top
محليات .
لبنانيات .
بيئة
وتنمية .
تربية وثقافة .
شباب ورياضة .
علوم وتكنولوجيا
صحة
.
متفرقات .
الصفحة الرئيسية .
إتصل بنا