القطاع الزراعي ومركز الصفدي للتنمية الزراعية في عكار: إنطلاقة جديدة لإنقاذ الزراعة في الشمال
تحتل الزراعة حيزاً مهماً من اقتصادات محافظة عكار الغنية بمواردها الطبيعية من سهل خصب مساحته حوالي 18 ألف هكتار إلى أراض وجلول متوسطة الارتفاع إلى المرتفعات الجبلية. وتتنوع الزراعات في هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها حوالي 80 ألف هكتار أي ما يوازي 1/8 مساحة لبنان بين المزروعات الخضرية إلى مختلف أنواع الزراعات في البيوت المحمية البلاستيكية (بندورة، خيار، كوسا وخلافها من المزروعات والحبوب والتبغ والتنباك والبطاطا والكرمة والزيتون) على نطاق واسع والحمضيات في المناطق الساحلية وبعض المناطق الوسطية، فيما تشغل الأشجار المثمرة والغابات القسم الأكبر من المساحات الجبلية وبعض المناطق الوسطية (تفاحيات بشكل رئيسي).
كما أن وفرة المياه في العديد من مناطق المحافظة أتاحت تنشيط الحركة الزراعية وتطورها على مدى السنين الماضية، مع حضور عدد من الأنهر الرئيسية (النهر الكبير، نهر الاسطوان، نهر عرقة، نهر البارد وعدد من المجاري السطحية التي تشكل روافد أساسية لهذه الأهر).

غير أن هذه المقومات الأساسية لإحداث أي نهضة زراعية لم تقابلها على المستوى الرسمي منذ الاستقلال حتى اليوم سياسة زراعية راشدة قادرة على دفع القطاع الزراعي إلى الأمام بما يساهم في تطور الزراعة إن على مستوى الإرشاد الزراعي ونوعية المزروعات وزراعات بديلة، أو على مستوى نوعية هذه المزروعات وجودتها بما يتلاءم مع الشروط الزراعية والبيئية العالمية المفروضة على المنتجات الزراعية لتسهيل عملية تصديرها، أو على صعيد تأمين الدعم اللازم لهذا القطاع من أجل خفض تكلفة الإنتاج بشكل يؤمن له القدرة التنافسية مع باقي منتجات الدول المجاورة حيث تحظى الزراعة بدعم من حكوماتها.
إزاء كل هذه المعوقات التي وقفت على الدوام أمام القطاع الزراعي على امتداد أعوام طويلة ظلت المبادرة الفردية عاملاً حاسماً في إبقاء هذا القطاع على قيد الحياة رغم الخسائر الكبيرة التي أصيب بها المزارعون وكساد مواسمهم وتدني أسعار منتجاتهم. وما أصاب القطاع الزراعي انعكس بشكل أو بآخر على القطاعات المنتسبة إليه ولا سيما منها قطاع تربةي الماشية وعلى الأخص ماشية الحليب، إلى جانب قطاع الأعلاف الذي أخذ يخطو خطواته الثابتة إلى الأمام.
ومن المبادرات على هذا الصعيد، ما أقدمت عليه "مؤسسة الصفدي" منذ قبل زهاء عام مستحدثة "مركز الصفدي للتنمية الزراعية" في خراج بلدة دير دلوم استشعاراً منها لأهمية هذا القطاع بالنسبة إلى محافظة عكار المحرومة، ووضعت الخطط اللازمة والقابلة للتطور والنماء بما يخدم عملية تطوير الزراعة والوقوف بجانب المزارعين.
التسويق الزراعي
ويشدد منسق القطاع الزراعي في "المؤسسة" النقيب د. حسين الصمد على أنه "عبر هذا المركز أصبح بالإمكان المساعدة في مجال التسويق الزراعي وهو النقطة الأساسية التي تلتقي حولها متطلبات كل القطاعات الزراعية، إذ أن تصريف الإنتاج الزراعي يساعد على تثبيت المزارع في أرضه ويساهم في التنمية الريفية. لذلك وضعت خطة عمل للمركز تهدف إلى تأمين أسواق للمنتجات الزراعية اللبنانية عبر جملة من الخدمات التي وضعت بحسب أولويات أتت نتيجة لدراسات تهدف في الأساس إلى مساعدة المزارعين بالتعاون مع الجهات الرسمية والخاصة المعنية بهذا القطاع".
وهذا الهمّ يقول الصمد "إن مؤسسة الصفدي وبتوجيهات من معالي الوزير محمد الصفدي تطوعت للتصدي للمشكلات المتصلة به، وفي الإمكانات المتوافرة وبالتعاون مع اختصاصيين في هذا المجال للمساعدة على تشكيل وعي مجتمعي عام لأهمية هذا القطاع وضرورة إيجاد السبل العملية لنمائه وتطوره بما يخدم التنمية الشاملة، وكي تصبح الزراعة مورداً اقتصادياً مهماً يدعم الاقتصاد الوطني العام بدل استمراره كما هو اليوم عبئاً على الاقتصاد الوطني".
ويشير إلى أن الدولة "مسؤولة في هذا المضمار، وهناك مؤسسات زراعية رسمية كبيرة موجودة في المنطقة سوف نعمل بالتعاون مع إداراتها للأخذ بها وتطويرها وتجهيزها ووضع خبراتها في تصرف المزارعين إن على صعيد الإرشاد الزراعي او على الصعيد الاجتماعي العام".
ولفت إلى "أن الزراعة في عكار تشكل مصدراً أساسياً. من هنا كان التركيز على الزراعة وحلّ مشكلاتها عبر تحسين نوعيتها ووضع خطة زراعية استراتيجية تكون بديلة ومستديمة لزراعة لا جدوى من إنتاجها وتسويقها".
على صعيد حلّ المشكلات، قال أن المؤسسة "نظمت حملة تلقيح ضد الأمراض المعدية لدى المواشي ومنها الحمى القلاعية، إلى حملات أخرى سوف تتايع وفق المعطيات الميدانية وحاجاتها. كما تقوم المؤسسة بحملة تشجير سنوية بدأت قبل أربعة أعوام. وبلغ عدد الأشجار المغروسة قرابة 200 ألف شجرة حرجية ومثمرة في الشمال"، لافتاً إلى أن غابتين في بلدتي عدبل وحرار مساحتهما حوالي خمسين ألف متر مربع (عدبل 5 آلاف، حرار 45 ألفاً) أنشأتهما المؤسسة على مدى الأعوام الثلاثة الماضية بالتعاون مع الهيئات الأهلية المحلية، وتسعى إلى تطويرهما إلى غابات أخرى في مناطق جديدة".
أما على صعيد زراعة الأعلاف، فالمؤسسة تنظم حملة متواصلة للإرشاد "حيث أثبتت دراسة الجامعة الأميركية أن مردود الدونم من زراعة الأعلاف يشكل دخلاً ثابتاً كونها سلعة لها سوقها الدائمة. وبناء عليه، فإن المساحات المشغولة بزراعة العلف ارتفعت من 200 دونم إلى 8 آلاف دونم في عكار خلال الأعوام الأربعة الماضية. وأهم أنواع زراعات الأعلاف الشيلم والذرة والفصة".
اتصال مع التعاونيات الزراعية
مدير المركز المهندس غسان نعمة لفت إلى "أن مركز الصفدي للتنمية الزراعية أنشئ في دير دلوم وسط المنطقة الزراعية في المحافظة بحيث يستطيع تأمين الاتصال مع التعاونيات الزراعية في مختلف القطاعات الزراعية من منتجي خضر وفاكهة ومربي أبقار ونحل أو تعاونيات التصنيع الغذائي".
وقال: "يجري حالياً التحضير من أجل مختبر لفحص ترسبات الأدوية الزراعية معترفاً به من مؤسسات دولية ولفحص المنتجات الزراعية من خضر وفاكهة وعسل ومنتجات اللحوم والحليب، إضافة غلى المنتجات الزراعية المعلبة، إذ أن كمية ترسبات الأدوية الزراعية في المنتجات الزراعية هي المعوّق الرئيسي الذي يقف حائلاً دون تصدير المنتجات اللبنانية إلى الخارج. من هنا أهمية هذا المختبر لإجراء الفحوصات المخبرية المبكرة للتأكد من صحة المنتجات اللبنانية قبل تصديرها إلى الأسواق الخارجية. كما يهدف إلى خلق وعي لدى المزارعين إزاء خطورة الاستعمال العشوائي للأدوية الزراعية وإرشادهم نحو الاستعمال الراشد للمبيدات الزراعية".
وأشار إلى أن المركز "يتألف من مبنى رئيسي من طابقين يشمل غرفاً إدارية ومخبرية، إلى مستودع كبير ذي استعمالات متعددة. كما يحتوي على قاعة محاضرات مجهزة بتقنيات صوتية وبصرية تهدف إلى دعم المزارع عبر ندوات تثقيفية بالتعاون مع الكليات الزراعية المحلية من التعرف إلى أحدث المعلومات التقنية الحديثة في الزراعة والحراثة والري ومكافحة الآفات الزراعية والتعليب والتسويق، وتهدف أيضاً إلى دعم هذه التعاونيات للقيام بالدور المنوط بها وبدور الوساطة بين المنتجين والأسواق الاستهلاكية".
المختبر النقّال
وبدأ العمل في المركز مطلع كانون الأول الماضي بتجهيز مختبر تربة نقال مزود بأجهزة لفحص حموضة التربة وملوحتها وكثافة التربة ورطوبتها ونسبة الآزوت والبوتاس في أوراق النبات، لترشيد عمليات التسميد الحقلي مباشرة والمساهمة في خفض تكلفة الإنتاج.
كما يزود المختبر النقال المزارعين كتيبات إرشادية تثقيفية تساهم في خفض تكلفة إنتاجهم، إلى ذلك سيجري المختبر النقال مسحاً عاجلاً للمنتجات الزراعية للبحث عن الثغر والمشكلات التي تعانيها العملية الزراعية بغية وضع خطة شاملة لمعالجتها.
وإلى القطاع النباتي، يؤمن المركز أيضاً آلة تصوير صوتي للقطاع الحيواني تستعمل للتأكد من نجاح عملية التلقيح الاصطناعي للأبقار. وقد ساهمت "مؤسسة الصفدي" بالتعاون مع السفارة البريطانية في تأمين اللقاح الاصطناعي للأبقار الحلوب لتحسين نسلها بغية تخفيف تكلفة الإنتاج وزيادة إنتاج الحلوب. ويتواصل تنفيذ هذا المشروع بالتعاون مع وزارة الزراعة.
وأوضح نعمة أن المركز يحتوي أيضاً على غرف إدارية مهمتها القيام بجمع معلومات زراعية عن لبنان عموماً ولبنان الشمالي خصوصاً وعن الدول المجاورة، مما يساهم في تطوير استراتيجية عمل مستقبلية.
كما أن المركز يضم مشتلاً صغيراً يساعد في إكثار الأشجار أو النباتات التي قد تستعمل في الزراعات المستقبلية، للمساهمة في تأمين زراعات بديلة مناسبة للبنان تؤمن مردوداً جيداً للمزارعين وتحمي الإنتاج الزراعي من المنافسة الخارجية.
وهناك استعدادات لإنشاء مختبر بيطري لترشيد استعمال الأدوية البيطرية وتجنب أضرارها في المنتجات الحيوانية من مشتقات الحليب واللحوم، وتركيز لإنشاء مختبر لتحليل الأعلاف وتحسين استعمالها لدى المزارعين.

 

إطبع هذه الصفحة

أرسل هذه الصفحة إلى صديق



 

 

 

 

  Top

 

محليات  .  لبنانيات  .  بيئة وتنمية  .  تربية وثقافة  .  شباب ورياضة  .  علوم وتكنولوجيا

صحة  .  متفرقات  .  الصفحة الرئيسية  .  إتصل بنا