بعد 14 عاماً على إقفالها بحجة الصيانة! هل تستعيد منشآت النفط في طرابلس دورها الاقتصادي؟
تطوي مصفاة طرابلس السنة الرابعة عشرة في سجل توقفها عن العمل، وتعاني تالياً الشلل في حركتها التي كان يفترض أن تستأنف بعد أسبوعين فقط من توقيفها في 21 أيلول 1992 بقرار وزاري، بحجة إجراء بعض أعمال الصيانة على بعض الوحدات العاملة في المصفاة. وحتى الآن لم تتم إعادة تشغيلها!! والسؤال المطروح: هل تنتهي حدود محاولات الحكومة وتصريحات المسؤولين بوقف الإهدار المالي عند جدار قطاع النفط والمافيات النافذة والمتعددة الرؤوس، التي لا تزال تُطبق سيطرتها على قطاع النفط وتسد عليه المنافذ؟ لمحة تاريخية في بداية السبعينات، شكلت مصفاة طرابلس الحدث الأهم من الناحية الإنتاجية نظراً إلى وجود "وحدة التكسير" التي كانت تدرّ أموالاً طائلة إلى خزينة الدولة، مهمتها إعادة استخراج المشتقات النفطية الخفيفة الأغلى ثمناً(غاز، بنزين، ومازوت) من الفيول أويل بعد تكريره، ويستخدم إنتاجها لمعالجة الفيول اويل وتحسين نوعيته. أضف إلى ذلك أنها كانت تؤمن ما يعادل 50% من احتياجات السوق النفطية حيث كان يتم تكرير 40 ألف برميل يومياً. في نهاية السبعينات وضعت الدولة يدها على الشركة وبدأت أوضاعها المالية تتراجع. النفط والسياسة مع بداية الثمانينات، أدى انقطاع العلاقات بين سوريا والعراق إلى تدهور الوضع في مصفاة طرابلس حيث تم توقيف الضخ عبر الأنابيب من كركوك إلى طرابلس، ثم جاءت أحداث ما عرف بحرب المخيمات (1982-1985) حيث قصفت المنشآت بشكل مركّز ومقصود فتخربت وتدمر 33 خزاناً من أصل 56 واستمر الاحتراق لمدة أشهر وأصبحت المنطقة بؤرة ملوثة بيئياً، فتوقف العمل في مصفاة طرابلس عام 1983 وتحولت مركزاً للتخزين والتجميع بعدما تعطلت وحدتي المصبّ والتكرير. علماً أن التعطيل كان يصيب "وحدة التكسير" حتى عندما كانت المصفاة قيد العمل، تارة بحجة القصف وطوراً بدواع أخرى. فبدأت القدرة الإنتاجية بالتدني بسبب الأعطال المتكررة والمقصودة لتوقيف هذه المنشأة ولفتح الأسواق أمام الخارج حيث تستفيد من هذا التعطيل شبكة من المافيات المشتركة، ولم يقتصر الأمر على تدني الإنتاج إذ تعداها إلى انخفاض عدد العاملين والمهندسين والأجراء حيث فتحت أبواب الاستقالات الجماعية ليصل عدد العاملين اليوم إلى ما يقارب المئة موظف بعد ما كان عددهم 500 موظف: البعض ذهب إلى منزله والآخر ترك البلاد. دراسات غير واقعية بدأت وزارة الصناعة والنفط، وبعد 3 أشهر من توقيف المصفاة، بحملة إعلامية مركزة وسلسلة دراسات غير واقعية للإيحاء بأن لا جدوى اقتصادية من تشغيل المصفاة ولتصوير المصفاة بأنها عالة على الوطن وعبء على الخزينة، باعتبار أن تشغيلها يؤدي إلى خسائر في خزينة الدولة. ومنذ ذلك الحين، توالت الدراسات من الوزارة أو عبر شركات محلية وأجنبية، ولكن فكرة تشغيلها لم تكن واردة وأصبح مصيرها كمصير عدد كبير من المرافق العامة والخاصة التي أصابها الفساد بعد تعذر وجود الرادع. ونظراً إلى التدخلات السياسية المتوالية، فقد كانت كل وزارة جديدة تقوم بتغيير إدارة وموظفي المصفاة وفقاً للتوجهات السياسية أو الحزبية. وفي هذا السياق، استطاع نواب "التكتل الطرابلسي" في العام 2004 وقف فضيحة سياسية وإدارية كانت ستصدر عن وزارة الطاقة والمياه في تلك الأثناء، عبر محاولة توفير توظيفات وهميّة لأقارب ومقربين في منشآت النفط في طرابلس عن طريق المحاصصة وتبادل المنافع بين أهل السلطة على حساب المال العام، من دون مراعاة التوازن بين المناطق من ضمن معيار الكفاءة المهنية لأهالي المنطقة. الوضع الحالي رغم أن مادة النفط عصب البلاد الاقتصادي والإنتاجي، فقد بلغت فاتورة القطاع النفطي ما يقارب الـ 700 مليون دولار سنوياً، إلا أن سوء تصرف المجموعات النفطية الذين حولوا البلاد إلى "مزرعة" لإقطاعهم السياسي ووفقاً لمصالحهم الشخصية، وفي ظل عدم مقدرة السلطة على ضبط المحروقات المستوردة من الخارج ومراقبتها، فإن الأمل ضعيف في تشغيل المصافي. علماً أن الموظفين والعمال مستمرون في قبض رواتبهم من دون إنتاجية منذ صدور قرار المديرية العامة للنفط بوقف العمل في المصفاة، أضف إلى ذلك أن فترة الـ 14 سنة أدت إلى اهتراء معدات المصفاة وأجهزتها وتالياً ارتفاع كلفة تأهيلها. إن تأهيل منشآت النفط في طرابلس يحرك العجلة الاقتصادية ويؤمن العمل والاستثمار لفئة كبيرة من الناس إذ يضمن 400 فرصة عمل ضمن المنشآت وأضعاف هذا العدد خارجها في كل المصالح المتصلة بها، إضافة إلى تحسيس اللبنانيين بأن البلد يسترد عافيته وأن الحكومة تعمل فعلاً على الإصلاح والتغيير. دراسات إيجابية إن عدم إعلان المسؤولين سياسة نفطية وطنية واضحة يطرح علامات استفهام كبيرة حول مستقبل المنشآت النفطية ومصيرها وخطة الدولة لمعالجة مسائل السوق النفطية في لبنان، وخصوصاً أن كل الدراسات الفنية بواسطة الشركات الخاصة عن طريق اختيار أفضل العروض للتأهيل والاستثمار والإدارة، سواء بواسطة الاستثمار بالاسترداد BOT أو بواسطة الشركة المختلطة، التي لم تقم بها الوزارة المعنية، أكدت الجدوى الإيجابية من تشغيل المصفاة: - دراسة مديرية الدراسات والتخطيط في المنشآت في العام 1991-1002: تقترح تأهيل المصفاة وزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 45 ألف برميل يومياً بكلفة 60 مليون دولار أميركي على فترة سنتين. - عرض الشركة التشيكية "تشيبوس": تثني على معطيات الدراسة أعلاه، وتصل كلفة المشروع إلى 66 مليون دولار أميركي. - دراسة شركة "بريتشرد" نهاية العام 1994: تقترح تأهيل المصفاة وزيادة إنتاجها إلى 35 و40 ألف برميل يومياً، بكلفة 130 مليون دولار على فترة سنتين. - دراسة شركة "توتال" الفرنسية في العام 1995: توصلت إلى نتيجة تقول أن طاقة مصفاة طرابلس التكريرية الراهنة ضعيفة جداً تؤدي إلى خسائر، وأن الطاقة المطلوبة لجعل المصفاة مربحة هي 50 ألف برميل يومياً هذا بعد تجهيز المصفاة وتأهيلها. وأبدت الشركة رغبة في التوظيف في استثمار المصفاة باعتبار أن الربح مضمون بعد التأهيل والتجهيز. علماً أن تكلفة المشروع 120 مليون دولار، والربحية المتوقعة منه تراوح بين 1,5 و2 دولار لكل برميل. علماً أن الكويتيين أبدوا استعدادهم لدرس هذا الموضوع مع الفرنسيين حول إمكان توظيف المال لإعادة تشغيل مصفاة طرابلس بالتعاون مع الفرنسيين واللبنانيين لأنهم اعتبروا أن لها مردوداً مهماً جداً. الربح أكيد مع اتباع سياسة التقشف وترشيد الإنفاق التي تعتمدها الحكومة الحالية، فإن فكرة إنشاء مصفاة جديدة بتكلفة 800 مليون دولار مشروعاً يصعب تحقيقه من قبل الدولة نظراً إلى الأعباء المالية والديون التي تثقل كاهل الخزينة العامة. وفي انتظار إعداد دراسة ليست مبنية على قناعات مسبقة، أو وصفات جاهزة سلفاً بقصد تخصيص المصفاة أو التخصيص المؤقت BOT أو بقصد استئناف التكرير، سواء بسواء، من شأنها تكوين أساس موضوعي لسياسة نفطية مستقبلية، لا يجوز في أي حال من الأحوال إبقاء هذا المرفق الحيوي والأكثر أهمية في العصب الاقتصادي رهن مشيئة المجموعات الاحتكارية النافذة. وإذا كانت إعادة تشغيل المصفاة بعيدة من الجدوى الاقتصادية، فأي جدوى من جراء إبقاء الوضع النفطي على ما هو عليه؟ ومن المستفيد؟ ورغم استهلاك مصفاة طرابلس قيمتها دفترياً، فإن تأهيلها يجعلها قادرة على العمل بصورة مجدية اقتصادياً. وثمة بلدان مجاورة كسوريا والأردن وقبرص واليونان، تستمر في تشغيل مصافي مماثلة وبتكلفة تزيد عن تكلفة التشغيل عندنا. مع العلم أن تأهيل مصفاة قائمة يحقق وفراً مالياً تتعدى قيمته ثلثي تكلفة إنشاء مصفاة جديدة بالمواصفات نفسها، كذلك إن تشغيل المصفاة تتوافر له ميزات الحصول على النفط الخام بأسعار تفضيلية، لقرب البلد من دول النفط وارتباطه معها بعلاقات مميزة. علماً أنه يُترقب عالمياً ارتفاع تكلفة التكرير بسبب الضرائب والقيود الإضافية على المصافي في الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية. إضافة إلى المحافظة على النشاط الصناعي وتشغيل اليد العاملة الوطنية خاصة في ظل السياسة التربوية الحالية التي تعنى بتوجيه الطلاب نحو المهن الفنية والحرف التقنية.