الإرث الثقافي في طرابلس: مشروع تنموي واعد / تأهيل وترميم معالم أثرية نموذجية وإعادة إحياء المدينة القديمة
بالرغم من أن الأعمال قد بدأت في أسواق طرابلس القديمة، إلا أن "مشروع الإرث الثقافي" ما زال مجهولاً من أغلب الجمهور الطرابلسي، وبالرغم من الآمال المعقودة على هذا المشروع فإنه يواجه باللامبالاة من جهة والانتقادات من جهة أخرى. وقبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ مرّ المشروع بمراحل تحضيرية عديدة، وشهد بعض التلكؤ من جانب الجهات الرسمية، إلى حد أن الجهات الممولة قد أخطرت الدولة اللبنانية بأنها ستسحب المشروع. عندها سارع نواب طرابلس وهيئات وشخصيات طرابلسية، إلى رئاسة مجلس النواب قبل أربع وعشرين ساعة من انتهاء المهلة. الأمر الذي أدى إلى إقرار مجلس النواب للقرض الدولي. ومنذ حزيران عام 2004 دخل مشروع الإرث الثقافي حيّز التنفيذ. حول هذا المشروع ومراحله وأهدافه توجهت "المشير" إلى د. خالد زيادة الذي واكب المشروع منذ عام 2001 حين كان مستشاراً لوزير الثقافة د. غسان سلامة، ويتابع اهتمامه بالمشروع حتى اليوم بصفته مستشاراً لوزير الثقافة الحالي د. طارق متري. مكوّنات المشروع - ما هو مشروع الإرث الثقافي، وما هي حيثياته؟ مشروع الإرث الثقافي والتنمية المدينية، هو مشروع يقوم بالإشراف على تنفيذه مجلس الإنماء والإعمار بتكليف من الحكومة اللبنانية. أما تمويل المشروع فقد قامت به عدة جهات: الدولة اللبنانية، البنك الدولي، الوكالة الفرنسية للتنمية، المديرية العامة الإيطالية للتعاون والتنمية. وتستمر أعمال المشروع لمدة خمس سنوات تنتهي في حزيران 2009، أما القيمة الإجمالية للمشروع فتبلغ حوالي ستين مليون دولار. والجدير ذكره أن مشروع الإرث الثقافي يشمل خمس مدن لبنانية هي: طرابلس – جبيل – صيدا – صور – بعلبك. أما حصة الأعمال في مدينة طرابلس فتصل إلى حوالي عشرين مليون دولار. إلاّ أن الأعمال في طرابلس ستكون أكبر حجماً من المدن الأخرى التي يشملها المشروع. أما مكونات المشروع في مدينة طرابلس فتشمل ما يلي: - تأهيل الأسواق الأساسية ومنها سوق البازركان، سوق العطارين، سوق القمح في باب التبانة. - تأهيل ضفاف نهر أبو علي. - تأهيل خان العسكر وتحويله إلى مركز جذب ثقافي وسياحي وتطوير المنطقة المحيطة، وإنشاء مبانٍ لنقل القاطنين إليه. - تأهيل بعض المعالم التاريخية كخان العسكر وحمام عز الدين وحمام النوري. - خلق مساحات عامة وحدائق. - تأهيل البنى التحتية وخاصة شبكات مياه الشفة والصرف الصحي في المدينة القديمة. - تأهيل متحف قلعة طرابلس ومحيطها. - تأهيل الطرق المحيطة بالمدينة القديمة وتطوير خطة السير والمواقف فيها. - دعم إنماء الاقتصاد المحلي والسياحة الثقافية ومشاركة القطاع الخاص. ورشة تأهيل شاملة - ما الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والسياحية لهذا المشروع، وماذا يمكن أن يحقق للمدينة؟ كما هو مبين في مكونات المشروع، فإن الهدف الرئيسي هو إعادة الاهتمام بالمدينة القديمة كمركز تجاري وسياحي وثقافي وباعتبارها مركز لنشاطات اقتصادية منوعة. والمشروع يستهدف الأسواق التاريخية: البازركان والعطارين ومحيط السوقين المذكورين. كما يستهدف محيط نهر أبو علي خاصة أن توسيع مجرى النهر قد خلق تشويهات كبرى في الحياة الاقتصادية والعمرانية وحركة المرور. كما أن المشروع يعمل على إمكانية ربط المدينة القديمة بكافة أنحاء المدينة من خلال إيجاد سبل الوصول والمواقف للسيارات. عدا عن ذلك، فإن المشروع سيقوم بتأهيل وترميم بعض المعالم الأثرية النموذجية لحمام النوري وتأهيل متحف في قلعة طرابلس فضلاً عن خان العسكر وتحويله إلى مركز للنشاط الحرفي والسياحي. ومن خلال هذه المكونات فإن هذا المشروع لا يستهدف المدينة القديمة بكاملها. فهذه المواصفات تجعل منه مشروعاً رائداً او مشروعاً نموذجياً يمكن أن يستكمل في حال نجاحه وتجاوب أهل المدينة معه، بمشاريع أخرى ممولة من جهات مانحة محلية ودولية. ومن المهم أن ينجح المشروع في الأهداف المحددة له وهي: تأهيل أجزاء بيئية من المدينة القديمة وخصوصاً الأسواق التجارية، تأهيل بعض المعالم الأثرية التي يمكن أن تفتح الباب أمام تأهيل معالم أخرى، تنشيط الاقتصاد المحلي، تنشيط السياحة الثقافية، إعادة ربط المدينة الحديثة بالمدينة القديمة وخصوصاً بعودة اتصال أبناء المدينة مع الجزء التاريخي من طرابلس. ونجاح المشروع فعلياً لن يكون إلا إذا كان حافزاً لتنشيط مشاريع مشابهة تستكمل تأهيل الأجزاء الأخرى من المدينة وأجزاء أخرى من المدينة الحديثة. فطرابلس تحتاج إلى ورشة تأهيل شاملة. فمشروع الإرث الثقافي قد يفقد معناه إذا لم يترافق أو يستتبع بتأهيل منطقتين هما التل والزاهرية، فهاتان المنطقتان تمثلان أجزاء من طرابلس العمرانية التي تنتمي إلى بدايات القرن العشرين وتشتملان على مبانٍ تراثية هامة. فهل يمكننا أن نتخيّل تنمية مدينية إذا بقي التل على حاله؟ المطلوب إذاً من البلدية والجهات الممولة المحلية والحكومة اللبنانية ممثلة بمجلس الإنماء والإعمار ومن وزارة الثقافة التي تضم مديرية الآثار أن تضع في أولوياتها تأهيل التل، ووضع التصورات لوظائف متجددة لهذه المنطقة الحيوية في طرابلس. نقاش بنّاء لتطوير المشروع - هناك بعض الانتقادات للمشروع، فما هو رأيك بها؟ الانتقادات ضرورية جداً خصوصاً إذا كان المقصود منها تصويب بعض الأخطاء. فليس هناك من مشروع كامل ولا أحد يدّعي ذلك. وبعض الانتقادات ناتجة عن اختلاف في وجهات النظر وعن الاختلاف في تحديد الأولويات، وكل هذا يُغني النقاش. فالمشروع هو في طور التنفيذ، ومن الضروري أن يكون المشرفون على تنفيذه منفتحين على الانتقادات البناءة التي تريد تحسين شروط التنفيذ. أما الرقابة على حسن سير الأعمال، فهناك العديد من الاطراف من واجبها ان تراقب سير الاعمال: بلدية طرابلس، مديرية الآثار، الجهات الممولة التي تراقب تنفيذ الأعمال، والأهالي ونواب المدينة. وفي هذا المجال، لا بدّ لي من القول بأن الانتقادات ضرورية خصوصاً إذا أثارت نقاشاً بناءً وأسهمت في تطوير المشروع خلال مراحل التنفيذ، إلا أن أسوأ ما قد يواجهه المشروع هو اللامبالاة من جانب الأهالي في طرابلس، فهذا المشروع يهدف إلى تنمية مدينة طرابلس التي تحتاج إلى مشاريع عديدة. وهو مشروع محدد الأهداف والأكلاف، ولا بدّ لي في هذا المجال أيضاً من أن أذكر بأن التنمية في طرابلس لا بد أن تمر بتأهيل منطقة التبانة التي تحتاج إلى مشروع خاص بها. ويمكن للرأسمال المحلي وللحكومة اللبنانية أن يُعدّا لمشروع تأهيل التبانة. خطة لتنمية طرابلس - ماذا تقترحون لمواكبة هذا المشروع البالغ الحيوية لطرابلس وللمدن الأخرى التي يشملها؟ تنبّهت رئيسة لجنة التربية النيابية لأهمية المشروع بالنسبة لتنمية المدن الخمس التي يشملها. ولهذا دعت إلى مواكبة المشروع من جانب المهتمين وخصوصاً أساتذة الجامعات وطلابها وذلك من خلال تشكيل هيئة علمية تواكب المشروع وتشجع الطلاب الجامعيين على إجراء الدراسات في مجالات التنمية والهندسة المعمارية والسياحة وعلوم الاجتماع، من أجل دراسة آثار المشاريع في المدن المذكورة والتأثير الذي سيحدثه التأهيل والترميم على اقتصاد المدينة ومستقبلها. ومن الضروري أن تقوم في طرابلس حملة توعية تشارك فيها هيئات مجتمعية متعددة، من أجل التعرف إلى آثار المشروع ووضع تصورات لتنمية طرابلس انطلاقاً من الآثار التي سيحدثها عند إتمام الأعمال فيه. وأخيراً لا بد لجهات متعددة أكاديمية وسياسية واقتصادية أن تتعاون من أجل وضع خطة لتنمية مدينة طرابلس.