"البناء الجامعي الموحَّد في الشمال" إنجازٌ أكاديمي تنموي يُبصرُ النور!
الأحد 25 آذار 2001 سيبقى علامةً فارقةً في تاريخ طرابلس والشمال: ففي هذا اليوم كان لـ"مؤسسة الصفدي"، مدفوعةً بخياراتها التنموية وبانحيازها إلى البنية التربوية التي ترى إليها إحدى أهم البنى المجتمعية، أن تُطلق ورشة عمل تحت عنوان: "الجامعة اللبنانية بين الواقع الملتبس والدور المأزوم / الفروع الشمالية: أنموذجاً".
وكان في مقدمة التوصيات التي شدد عليها البيان الختامي، في شقّه الشمالي، إقامة "البناء الجامعي الموحد في الشمال" بديلاً من الأطر الجامعية الراهنة المشتتة في أماكن متعددة والتي لا تتمتع بالحد الأدنى من المعايير اللازمة لأيّ صرحٍ جامعي.
ومن منطلق إيمانها بان التحرك الجماعي يبقى الأكثر فاعلية والأشد أثراً في ترجمة أي مطلب عام، دعت "مؤسسة الصفدي" ممثلي المجتمعين الأهلي والمدني، كما أهل الجامعة اللبنانية: أدواتٍ نقابية، أساتذةً، طلاباً وموظفين، إلى تشكيل "لجنة متابعة" لحملِ هذا المطلب الحيوي، الذي خالهُ بعض المشكّكين ضرباً من خيال، إلى المرجعيات المسؤولة، من قمة الهرم وحتى قاعدته. إضافةً إلى إجراء مروحةٍ واسعة من الاتصالات وسلسلة من المؤتمرات التي احتشد لها نواب الشمال وسائر الفاعليات المتعاطية الشأن العام. وكان أن صدر قرار مجلس الوزراء رقم 29 تاريخ 28/2/2002 الذي قضى بإقامة هذا المشروع على أرض (المون ميشال) وتكليف مجلس الإنماء والإعمار بوضع الخرائط والدراسات الفنية العائدة له.
وقد استُتبع ذلك بخطوةٍ عملية في 9/10/2002 لدى انعقاد المؤتمر الإنمائي حول طرابلس في السراي الحكومي (بيروت)، إذْ اعلن الرئيس الشهيد رفيق الحريري نقل ملكية عقارات أرض المشروع من وزارة الدفاع الوطني إلى وزارة التربية والتعليم العالي (الجامعة اللبنانية).

وكانت خطوة احتفالية، نهاية العام 2002، عندما وضع رئيس الجمهورية حجر الأساس لهذا المشروع.
كل هذه الإنجازات المفصلية تمت بعد سنة ونصف السنة من التحرك الدؤوب الذي قادته "لجنة المتابعة"، إضافة إلى الضغوطات "الهادئة" وأساليب العمل الديمقراطية ذات الصفة النوعية المتميزة. وبما يجعل تجربة "البناء الجامعي الموحد في الشمال" مثالاً تحفظّهُ الذاكرة الجمعية المطلبية، تحتذيه وتستلهم منه الكثير من الدروس والعِبر.
... وإذا كانت حكاية هذا المشروع العتيد مديدة الفصول، فقد سبق لصحيفة "المشير" أن أفردت لها عدداً خاصاً (العدد 13 ت1 2002)، كما كان للصحافة اليومية البيروتية والمحلية أن تتعاطاه من الباب الواسع.
أسئلةٌ عديدة لا بد من طرحِها راهناً، وهي الآتية: في ظل اللغط البريء وبإزاء المواقف العدمية التي تُدمن التشكيك بكل مبادرة، وبهدف وضع الأمور في نصابها الصحيح، أين نحن الآن من مسيرة هذا المشروع؟ هل لا زلنا في مرحلة وضع حجر الأساس، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال؟ هل بدأت الأمور "تتحلحل"، وبما يجعل قطار المشروع على سكة الانطلاق؟ وما هي المعوقات – إذا كان ثمة من معوّقات مقصودة أم روتينية – التي فرملت خطواته، فأبطأتها وجمَّدتها إلى حين؟ وإلى آخر السلسلة من الأسئلة التي يطرحُها الشماليون، ولا سيما طلبة الجامعة اللبنانية، أصحاب المصلحة الأولى في قيام هذا الصرح.
هذه الأسئلة حملناها مجدداً إلى "المشير"، وذلك من منطلق التزام "مؤسسة الصفدي" بهذا المشروع الذي كانت اهم عرّابيه ومواكبي مسيرته في جميع المراحل. وقد كان لنا أن نستقي معطيات هذا التحقيق من الذين حملوا قضيتهُ ولا زالوا في خضمّ المعركة يتابعون كفاحهم كي يدبَّ هذا الوليد فينهض على رجليه صرحاً أكاديمياً ومَعْلَماً تنموياً تفاخر طرابلس والشمال به.

إنجازات راهنة قضية الاستملاكات
إن قضية استملاك بعض العقارات الخاصة، والتي من شأن إضافتها إلى أرض المشروع الأساسية المستملكة رفع المساحة الإجمالية إلى حوالي 150 ألف م2، شكّلت العقبة الكبرى خلال السنتين المنصرمتين.
فهذه العقبة هي من تجليات الصراع المكشوف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري حول موضوع الاستملاكات الذي يشمل المناطق اللبنانية كافة. وبعد استشهاد الرئيس الحريري عرف مرسوم الاستملاك طريقة إلى التنفيذ. وهكذا تم وضع اليد على خمسة عقارات في منطقة رأسمسقا، وفق ما يُشير إليه مجلس الإنماء والإعمار في لائحته الصادرة بتاريخ 9/9/2005، والتي اعتبرت هذه العقارات من المنافع العامة (صورة عن هذه اللائحة في عِداد هذا التحقيق).
كلية الفنادق والسياحة شمالاً

لما كان هناك اقتناعٌ بأن "البناء الجامعي الموحد في الشمال" سيغدو حاضنةً للتعليم العالي الرسمي خلال العقود الآتية، فقد عكفت "لجنة المتابعة"، بالتنسيق مع "اللجنة الفنية الهندسية" (المكلفة من قبل رئاسة الجامعة اللبنانية متابعة دراسة مراحل المشروع)، على وضع دراسة جدوى للكليات المنوي إضافتها إلى المعاهد والكليات الثمانية الموجودة أصلاً في الفروع الشمالية. وقد خلصت دراسة الجدوى إلى ضرورة إقامة معهد العلوم التكنولوجية (الذي يشكل التوأم الآخر لكلية العلوم)، وكلية السياحة والفنادق. علماً أن النية كانت متجهة قبل دراسة الجدوى إلى إقامة كلية للزراعة إلى جانب معهد العلوم التكنولوجية. ولكن تم العدول عن هذا التوجه، من منطلق الحاجة الماسة إلى استثمار الثروة الآثارية في طرابلس (طرابلس ثاني مدينة مملوكية بعد القاهرة)، إضافةً إلى انتشار رقعة المعالم التاريخية والأوابد في سائر الأقضية الشمالية، ولا سيما في بلاد البترون وقضاء بشري حيث ثمة مجال واسع للسياحة الدينية (وادي قنوبين – غابة الأرز – غابة تنورين – غابة القموعة – الكنائس والأديرة القديمة – إلخ). وما يغلّب هذا التوجه "مشروع الإرث الثقافي" الذي ينطلق راهناً في مدينة طرابلس بتمويلٍ من البنك الدولي (عشرون مليون دولار أميركي).
تأسيساً على هذه الرؤيا الواقعية أحيل ملف هذه القضية إلى رئاسة الجامعة اللبنانية التي وافقت عليه، وأحالته على مجلس الجامعة مع "الموافقة" للحصول على الموافقة النهائية (أنظر كتاب رئيس الجامعة اللبنانية). وبما أن مجلس الجامعة مشلولٌ راهناً لانتهاء مدة أعضائه من العمداء، فالمسألة باتت بيد وزير التربية والتعليم العالي الذي آلت إليه صلاحيات رئيس الجامعة ومجلسها.
وبهدف إنهاء هذا الملف عقدت "لجنة المتابعة" و"اللجنة الفنية الهندسية" لقاءً مع وزير الأشغال العامة والنقل الأستاذ محمد الصفدي ليُسهم، بالتنسيق مع وزير التربية والتعليم العالي، في إنجاز المعاملة. وقد بادر الوزير الصفدي إلى الاتصال بالوزير قباني. وقد بلغنا مؤخراً أن المسألة في طريقها إلى الحلّ.


متى نسمع هدير الجرافات في أرض المشروع؟!
من العبارات التي تشكل هاجساً لدى "لجنة المتابعة" ولدى المعنيين بـ"البناء الجامعي الموحد في الشمال": متى نسمع هدير الجرافات تصمُّ الآذان في موقع "المون ميشال"، فيغنينا ذلك الهدير عن ضجيج الكلام الذي تتردد أصداؤه في قاعات الاجتماعات وفي المؤتمرات التي تُعقد حول المشروع؟ بل متى تبدأ الجرافات في الولوج إلى عمق أرض هذا المشروع ليرتفع البناء الجامعي ويطل على طرابلس متشامخاً من خاصرتها الجنوبية، فيهدأ خاطر غير المصدقين – عن حسن نية أو عن سوئها – ويرون بأم العين تحول الحلم إلى حقيقة ناجزة؟
من الحلم إلى الحقيقة الناجزة!
بعد مصرع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعدت حكومة الرئيس عمر كرامي، عَبْرَ وزير التربية والتعليم العالي د. أحمد سامي منقارة، بأن المرحلة التنفيذية للمشروع ستنطلق في آذار من العام 2005، ولتُستَهلّ هذه المرحلة بكلية العلوم والبنية التحتية كاملةً، ذلك أن ثمة 17 مليون دولار متوفرة لإتمام هذه الخطوة (13 مليون دولار من بقية قرض سعودي و4 ملايين دولار يوفرها مجلس الإنماء والإعمار). وفيما يعود إلى سائر الكليات والمعاهد، وعددها تسعة، فقد كان من المفترض أن تلحظ موازنة ذلك العام الاعتمادات المالية اللازمة، موزعة على ثلاث سنوات. ولكن رياح الأوضاع الخطيرة التي شهدها لبنان عقب استشهاد الرئيس الحريري جاءت بما لا تشتهي سفن الحكومة الكرامية، فاستقالت وتعثر تشكيل حكومة بديلة. ثم جاءت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي اقتصرت مهمتها على إجراء الانتخابات النيابية الأخيرة.
وقد كان عامٌ حافلٌ بالأحداث المأساوية التي وضعت كل مشاريع البلاد، بل البلاد برمتها، على رف الانتظار.
علماً أن تطوراً إيجابياً حصل إبان هذه الفترة، ذلك أن وفداً من بنك التنمية الإسلامي السعودي، كشف على موقع البناء الجامعي الموحد في الشمال، فأعجب بهذا الموقع وقرر المساهمة مبدئياً بقرض قيمته 50 مليون دولار أميركي، إضافةً إلى 13 مليون دولار التي سبق ذكرها (بقية من قرض سعودي لدى مجلس الإنماء والإعمار). وهذا القرض يكفل، في مرحلة أولى، إنجاز خمس كليات: العلوم والتكنولوجيا – الهندسة – إدارة الأعمال – الصحة – الفنون.
إشارةً إلى أن الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية قد وافق منذ ثلاث سنوات على تمويل المشروع بقرض قيمته 25 مليون دولار.
يتحصل من هذا الكلام "الرقمي" أن لا مشكلة بالنسبة لتمويل المشروع العتيد.
أما بالنسبة إلى كلية العلوم، التي ستكون فاتحة انطلاق المشروع عملانياً، فقد تم استدراج العروض، ولكنها ستُفضّ بعد حلّ آخر إشكالية متبقية، وهي كلية السياحة والفنادق، كما أسلفنا.
... والآن، بعد هذه الجردة السريعة للمحطات التي مرّ بها المشروع الذي لُزّمت دراسته للمكتب الاستشاري لاسيكو (Laceco)، وفق عقد موقع بتاريخ 1/4/2005، وبعد بتّ موضوع كلية الفنادق والسياحة التي تستوجب حسماً سريعاً، وبعد إنجاز جميع الدراسات من قبل المكتب الاستشاري (دراسة الجدوى – دراسة الخرائط الأولية avant-projet))، وبعد تأكيد جميع المرجعيات ذات الصلة أن الأموال المخصصة للمشروع، سواء عبر القروض العربية أو عبر الإسهام الجزئي للدولة، ومن منطلق أن القوى السياسية التي تبنّت المشروع وشكلت رافعةً أساسية له، وهي متربّعة الآن على سُدَّةِ السلطة، نرى أن التأخير في قيام هذا الصرح لم يعد مبرراً!
إن العناصر التي تكفل قيام "البناء الجامعي الموحد في الشمال" متوفرةٌ بأغلبيتها، ولم يبق إلا القليل القليل. وبإزاء ذلك نتساءل: هل إن "الروتين" الإداري، السمة المميزة للإدارة اللبنانية، هو الذي يضيف إلى المعوقات القائمة معوّقاً آخر!
على رُغم كل المعوّقات، أبُنيويةً كانت أم طارئة، يبقى قدرُ طرابلس والشمال المضي بهذا التحدي الذي أطلقته "مؤسسة الصفدي" بدايات ربيع 2001، والذي أمّلت أن يُزهِرَ في قابل الأيام التي تلت ورشة عملها حول الجامعة اللبنانية.
ولا يسعنا، من موقع رعايتنا لهذا المشروع إلا أن نتوجه إلى وزراء طرابلس والشمال، كما إلى نوابهما، وإلى كل فاعليات المجتمعين الأهلي والمدني وإلى أهل الجامعة اللبنانية كي يُعيدوا الزخم إلى مسيرة المشروع وإلى ضخّ دماءٍ متجددة في عروق هذه المسيرة. علَّنا بذلك نشهد، وفي مدة زمنية قياسية، قيام هذا الصرح عل رجليه، فيستقيم به التعليم العالي وتعرف العجلة الاقتصادية شمالاً بعض حِراك. فهذا المشروع، وكما نرَدِّدُ سيوفر إطاراً جامعاً ينصهرُ في بوتقتهِ طلبة طرابلس وسائر الأقضية الشمالية، وبما يصبّ أولاً وأخيراً في تكريس العيش الوطني الواحد.

 

إطبع هذه الصفحة

أرسل هذه الصفحة إلى صديق



 

 

 

 

  Top

 

محليات  .  لبنانيات  .  بيئة وتنمية  .  تربية وثقافة  .  شباب ورياضة  .  علوم وتكنولوجيا

صحة  .  متفرقات  .  الصفحة الرئيسية  .  إتصل بنا