للحدّ من "التسرب المدرسي" في قطاع التعليم الرسمي/"مؤسسة الصفدي" ترعى برنامج دعمٍ بالفرنسية في بعض مدارس طرابلس
إعداد: د. مصطفى الحلوة
شكّلت اللغة الفرنسية في المدارس الرسمية، ولا سيما في المراحل التعليمية الأولى، أهم العوامل المعوّقة لشرائح واسعة من الطلبة في استكمال مسيرتهم المدرسية. فالطالب، بانتقالِهِ من مرحلة التعليم الأساسي الأولى (الصفوف: الأول والثاني والثالث) إلى المرحلة الثانية (الرابع والخامس والسادس) يجد صعوبة في استيعاب مضامين المواد العلمية (الرياضيات والعلوم) نظراً لتدريس هذه المواد باللغة الأجنبية بعد أن كانت تُدّرس بالعربية في المرحلة الأولى.
وهكذا باتت اللغة الأجنبية (الفرنسية أو الإنكليزية) تُسهم في رسوب الطلبة، ما يؤدي بالعديد منهم إلى ترك المدرسة في سنّ مبكرة. وهذا الأمر، أي عُقدة اللغة الأجنبية، بات أحد المعابر الأساسية إلى ما ندعوه "التسرّب المدرسي"!
ولقد أدرك القطاع التربوي في "مؤسسة الصفدي" المخاطر الناجمة عن هذه المسألة، فجهدَ منذ انطلاقته في مواجهة التسرّب المدرسي عبرَ وسائل متعددة، أبرزها تقديم الدعم والمساندة للكثير من البرامج والأنشطة التي تقوم بها لجان الأهل في طرابلس والشمال، إضافةً إلى إدارات المدارس الإبتدائية والمتوسطة. ناهيك عن مشاركة "المؤسسة" في الأطُر الأهلية التي تتصدى بالمعالجة لهذه الظاهرة المقلقة على الصعيد التربوي (أبرز هذه الأطر اللجنة التي تلتقي في بلدية طرابلس بدفعٍ من الحركة الاجتماعية واللجنة الإجتماعية في البلدية).

ولقد بادر بعض طلبة كلية الصحة العامة في الجامعة اللبنانية (فرع الشمال) إلى تبني مشاريع في سنتهم الأخيرة (سنة التخرج) تنكبّ على موضوع التسرب المدرسي ( مادة ميدانية تطبيقية) من منظور تدريبي عملاني. ويبادر العديد من هؤلاء الطلبة وهم على أبواب التخرج ومنذ عدة سنوات، إلى طلب مؤازرة من " مؤسسة الصفدي" التي تبادر إلى تبني المشاريع الجادة في هذا المجال.
وعليه كان للطالبات الخريجات من كلية الصحة للعام الدراسي الحالي: ياسمين الشهال، جوزفين فرشخ وسمر عيوش أن ينسقّن مشاريعهن مع "مؤسسة الصفدي". فياسمين الشهال تنفذ دراستها التدريبية الميدانية في منطقة الحدادين (باب الرمل)، وهي من أكثر مناطق طرابلس كثافةً شعبيةً وفقراً (مدرسة التقدم الرسمية البنات). أما الأخريان (جوزفين وسمر) فمشروعهما يتناول مدرسة التل الجديدة الرسمية للبنات (طرابلس – الجميزات).
ولقد بوشر بهذه المشاريع بدءاً من شهر نيسان ولتنتهي في النصف الثاني من حزيران الماضي، أي على أبواب انتهاء العام الدراسي الجاري. وقد كان لفريق عمل قطاع التربية والشباب في "مؤسسة الصفدي" أن يُواكب مسار هذه المشاريع، ولا سيما على الصعيد الأكاديمي، فكانت زيارات تفقدية إلى المدرستين ولقاءات مع الطالبات القيمات على برنامج الدعم بالفرنسية، إضافةً إلى المسؤولات عن هاتين المدرستين ولجنتي الأهل. وفي ختام أعمال هذه المشاريع، كان تقويم لها من خلال حوار بين طالبات كلية الصحة ومنسق قطاع التربية في المؤسسة د. مصطفى الحلوة.

مع جوزفين فرشخ وسمر عيوش
أفادت الطالبتان (كلية الصحة) فرشخ وعيوش أنّه خلال فترة تدربهما في مدرسة التل الجديدة للبنات، وفي نطاق أهداف عملهما الإجتماعي، استخلصتا حاجة التلميذات الماسة لتدعيم اللغة الفرنسية وقواعدها. وهكذا وقع الخيار على صفي الثالث والتاسع الأساسيين، وذلك لعدة أسباب، أبرزها: بروز ضعف شديد لدى طالبات الصف الثالث الإبتدائي بمادة اللغة الفرنسية، وكون هذا الصف مفصلياً في التأهل للمرحلة الثانية من التعليم الأساسي (كما أشرنا في بداية هذا التحقيق). أما ما يخصّ الصف التاسع (أي البريفيه)، فإنّ التلميذات في أغلبيتهن الساحقة يُعانين من ضعف واضح بالفرنسية، وهو نتاج تراكم لسنوات ومنذ الصفوف الإبتدائية الأولى. هذا الواقع المتردي انعكس سلباً، ليس على علامات المادة الفرنسية، وإنّما أيضاً على سائر المواد العلمية التي تدرس بالفرنسية. وانطلاقاً من الأسباب التي ذكرنا، قمنا بصياغة مشروع دعم وتقوية بالفرنسية لهذين الصفين. وكانت الموافقة سريعة من قبل "مؤسسة الصفدي" على تمويل المشروع والإشراف عليه. وعن النتائج التي أثمرها المشروع، أفادت جوزيفين وسمر أنّه تمّ إفادة 53 طالبة منه (27 في التاسع و 26 في الثالث). وإذا كنا لم نستطع حل المشكلة بشكل جذري، فأقلّه إننا وضعنا هؤلاء الطالبات على خط المعالجة الصحيحة. وهذا ما يستدعي متابعةً لهن، ولا سيما طالبات الصف الثالث، إذ أمامهنّ مشوار تعليمي طويل. وختمتا بتوجيه الشكر إلى "مؤسسة الصفدي" وإلى مديرة المدرسة السيدة إقبال المحمود وإلى المدرستين اللتين تولّتا التدريس: سيلفا سمور (الثالث الإبتدائي) وجورجيت بدوي (التاسع) واللتين حرصتا على اعتماد أفضل الوسائل التعليمية وأيسرها، وكان تنويه بلجنة الأهل في المدرسة التي وفرت أسباب التعاون لنجاح المشروع.

مع ياسمين الشهال وريم حسنين
على غرار الطالبتين (فرشخ وعيوش) أعدت ياسمين الشهال مشروعها التدريبي، بإشراف السيدة كاتيا كارتينيان (مدرّسة في كلية الصحة)، حول الدعم المدرسي أيضاً. وكان ميدان هذا المشروع مدرسة التقدم الرسمية للبنات، وذلك في صفي السابع والتاسع.
وفي شرح الإشكالية حول اللغة الفرنسية، أوردت الطالبة شهال الأسباب عينها التي تمّ تناولها في اللقاء مع الطالبتين الأخريين، مع إضافة سبب جوهري، وهو الوضع الإجتماعي للمنطقة التي تقع فيها المدرسة. فهي منطقة شعبية بامتياز. فباب الرمل ( الحدادين) هي في الصميم من طرابلس القديمة، وثمة تعطش دائم إلى كل عمل إنمائي. فهذه المنطقة تعاني حرماناً مزمناً يرقى إلى عهود بعيدة. والفقر، كما نعلم، والقول للطالبة شهال، هو المدخل إلى كل المشكلات والمعضلات الإجتماعية!
وقد توقفت الطالبة شهال عند التجاوب الذي تلقاه، سواءٌ من "لجنة الأهل" أو من قبل مديرة المدرسة الآنسة أمل مسدّي، أو من قبل المدّرسة ريم حسنين. وقد أثنّت الناظرة الآنسة خيرية مملوك على هذا التجاوب أيضاً، لافتةً إلى الصدى الإيجابي للمشروع لدى أهل المنطقة وفاعلياتها الشعبية.

وفي حديثنا مع المدرّسة حسنين قالت إنّها تدّرجت بشكل تصاعدي مع الطالبات، وقد أحرزنَ تقدماً ملموساً. وأشارت إلى أنّ مستوى الطالبات بالفرنسية كان متدنياً جداً. وقد وصلنا الآن، بعد مضي شهرين من التدريس، إلى مستوى يؤهل الطالبات لفهم النصوص ومعالجتها بشكل مقبول. ما يعني أنّ الحاجة ماسة إلى متابعة الطالبات في الأعوام القادمة حتى لا يضيّعن ما اكتسبنهُ من معلومات ومن تقنيات في هذه المادة. وعن عدد الطالبات اللواتي أفدن من المشروع، أفادت الطالبة شهال أنّ عددهنّ هو بحدود 45 طالبة. وقد امتدت فترة التعلم على مدى خمسين ساعة.

وفي نهاية اللقاء الذي احتضنته المدرسة، وهي مدرسة أثرية تعودُ رُبما إلى نهايات العصر العثماني أو بدايات العهد الإنتدابي، وجهت الطالبة شهال الشكر إلى "مؤسسة الصفدي" لما تبذله من جهود بناءة في خدمة أجيالنا الطالعة واملت أن تحذو سائر مؤسسات المجتمع الأهلي حذوها، فطرابلس مدينة تحتاج إلى الكثير من الخدمات والعطاءات، ولا سيما على الصعيد الإجتماعي.

 

إطبع هذه الصفحة

أرسل هذه الصفحة إلى صديق



 

 

 

 

  Top

 

محليات  .  لبنانيات  .  بيئة وتنمية  .  تربية وثقافة  .  شباب ورياضة  .  علوم وتكنولوجيا

صحة  .  متفرقات  .  الصفحة الرئيسية  .  إتصل بنا